الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

399

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

قد رضيت عنكم عبادي ، فطيبوا نفسا وقرّوا عينا » . فيرفعون رؤوسهم عند ذلك . ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف ، ويأخذون الدّست بند . فيكون ( 1 ) على ذلك يومهم . ثمّ ينصرفون . وإنّما سمّت العجم شهورها بآبان ماه وآذر ماه وغيرهما ، اشتقاقا من أسماء تلك القرى ، لقول أهلها بعضهم لبعض : هذا عيد شهر كذا ، وعيد شهر كذا . حتّى إذا كان عيد [ شهر ] ( 2 ) قريتهم العظمى ، اجتمع عليها صغيرهم وكبيرهم . فضربوا عند الصّنوبرة والعين ، سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصّور له اثنا عشر بابا ، كلّ باب لأهل قرية منهم . ويسجدون للصّنوبرة خارجا من السّرادق ، ويقرّبون لها الذّبائح ، أضعاف ما قرّبوا للشّجرة الَّتي في قراهم . فيجيء إبليس عند ذلك ، فيحرّك الصّنوبرة تحريكا شديدا ، ويتكلَّم من جوفها كلاما جهوريّا ، ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ممّا وعدتهم ومنّتهم الشياطين كلَّها . فيرفعون رؤوسهم من السّجود ، وبهم من الفرح والنّشاط مالا يفيقون ولا يتكلَّمون من الشّرب والعزف . فيكونون على ذلك اثني عشر يوما ولياليها بعدد أعيادهم سائر السّنة . ثمّ ينصرفون . فلمّا طال كفرهم باللَّه - عزّ وجلّ - وعبادتهم غيره ، بعث اللَّه - عزّ وجلّ - إليهم نبيّا من بني إسرائيل ، من ولد يهودا بن يعقوب . فلبث فيهم زمانا [ طويلا ] ( 3 ) ، يدعوهم إلى عبادة اللَّه - عزّ وجلّ - ومعرفته وربوبيّته ، فلا يتّبعونه . فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغيّ والضّلال ، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرّشد والنّجاح ، وحضر عيد قريتهم العظمى ، قال : « يا ربّ ، إنّ عبادك أبوا إلَّا تكذيبي والكفر بك . وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضرّ ، فأيبس شجرهم أجمع . وأرهم قدرتك وسلطانك » . فأصبح القوم ، وقد يبس شجرهم ، فهالهم ، ذلك وفظع بهم ، وصاروا فرقتين : فرقة قالت : سحر آلهتكم هذا الرّجل الَّذي زعم ( 4 ) أنّه رسول ربّ السّماء والأرض إليكم ، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه . وفرقة قالت : لا ، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرّجل ، يعيبها ويقع فيها ويدعوكم إلى عبادة غيرها . فحجبت حسنها وبهاءها ، لكي تغضبوا عليه ( 5 )

--> 1 - المصدر : فيكونون . 2 - من المصدر . 3 - من المصدر . 4 - المصدر : يزعم . 5 - المصدر : لها .